
قراءة في قصيدة (فجيعة أوركيدا ) للشاعرة آلاء القطراوي بقلم الأديب والشاعر حسين علي الهنداوي
الشاعرة آلاء القطراوي وفجيعة أوركيدا
بقلم: حسين علي الهنداوي
شاعر وناقد
__________
(أوركيدا)
دعوني أراها
ولو مرّةً واحدةْ
للشاعرة الدكتورة: آلاء القطراوي
__________(طفلتي أوركيدا حاصرها الاحتلال المجرم برفقة أخوتها ومنعهم من الخروج من البيت ثم قصف المنزل عليهم)
نص القصيدة
دعوني أراها
ولو مرّةً واحدةْ
فقدْ يَبِسَ القلبُ في نصفِ آذارَ
ما عادَ ينمو بهِ شَجَرٌ للحمامِ
فأعطوا شفاهي لها
كي تُقبّلها ..
ولوْ قُبلةً باردةْ .. !
وأعطوا لها رئتي
ربّما اختنقتْ دونها
ربّما ما استطاعتْ مناداةَ إسمي
فكان الركامُ ثقيلاً عليها
وكنتُ أحسُّ بها
فإني ورثتُ دماً
فيهِ حزنٌ قديمٌ /وسُمٌّ عتيقٌ/ وذَبْحٌ سقيمٌ
وسرٌّ يعتّقهُ آل بيت النبيِّ
على سبحتي الزّاهدةْ .
وأعطوا لها شَعْرَ رأسي الطويلَ
أحبُّ أصابعها حين تلمسهُ
وتقولُ:
( سأكبرُ حيناً
ويصبحُ شعريَ أطولَ منكِ )
فقصّوهُ شعريْ لها
لكي لا تموتَ حبيبةُ عمري
بشَعْرٍ قصيرٍ
وأُمنيةٍ ناهدةْ !
دعوني أراها
لأخبرها أنّ شوقي لها ليسَ سهلاً
وأنَّ الخناجرَ أهونُ في طعنها
من جنونِ الغيابِ
وأنَّ عيونيَ في حزنِها الملحميِّ
طبولُ زنوجٍ
ضمورُ جبالٍ
زئيرُ سهولٍ
بكاءُ أسودٍ
عواءُ تلالٍ
صهيلُ المجرّاتِ
في دمعتي الماردةْ
دعوني أرى وجهَ أوركيدتي
فقطْ
مرّةً واحدةْ !
دعوني أُقبّلها
ولو قُبلةً باردةْ .. !
الدراسةالنقدية
__________
تنضح هذه القصيدة للشاعرة الدكتورة آلاء القطراوي بوجع إنساني فائق، وتصوّر مأساة فاجعة تمسّ جوهر الأمومة الفلسطينية تحت وطأة الاحتلال و الفقد والعدوان الصهيوني على اهل غزة.
وتجسد القصيدة صرخة أم أُبيدت عائلتها وحوصر أطفالها تحت الركام، لتتحول عاطفتها المفجوعة إلى لوحة بلاغية ونغمية تقطر أسى ومقاومة كغيرها من النساء الفلسطينيات.
وتمثل القصيدة وثيقة عاطفية حية على مأساة الأمومة في غزة وفلسطين؛ فالأم لا تطلب المستحيل، بل إن سقف أمنياتها قد انهار ليتلخص في رغبة واحدة: “أن ترى ابنتها الشهيدة وتودعها ولو بقبلة باردة”.
وتعبر الأم عن جفاف روحها وموت الحياة في عروقها بعد استشهاد ابنتها في منتصف آذار (مارس)؛ حيث تحول الربيع المفترض إلى خريف أبدي للقلب (فقد يبس القلب… وما عاد ينمو به شجر للحمام).
وتبرز المأساةالفلسطينية في محاولة الأم التضحية بأعضائها (أعطوا لها رئتي، قصوا شعري لها)، وهو تعبير مجازي عن شعور الأم بالذنب لأنها تنفست بينما طفلتها تحترق تحت الردم، ولأنها عجزت عن حمايتها.
وتربط الشاعرة مأساتها الحالية بـ مأساة تاريخية ممتدة (ورثت دماً فيه حزن قديم… وسر يعتقه آل بيت النبي). هذا الربط يرفع الألم من البُعد الفردي إلى البُعد الجمعي من خلال ما لقيه آل بيت النبي من ظلم عل مر العصور ، حيث تتقاطع دماء الأطفال في غزة مع المظلومية التاريخية الممتدة ويتجلى الانكسار عند الأم في استحضار ذاكرة الطفلة وأمنيتها البريئة بأن تكبر ويصبح شعرها طويلاً؛ لتصطدم هذه الأمنية بجدار الموت العنيف الذي جعلها تموت بـ شعر قصير
وتبرز مواطن الجمال البلاغي في النص (بالصور الشعرية والبيان الساحر)إذ
استخدمت الشاعرة ترسانة من الصور البيانية والمجازية لنقل فظاعة الحدث وعمق المشاعر:
كالاستعارات المكنية والتشخيص:
، ومن ذلك قولها” فقد يبس القلب”: حيث شبّهت القلب بنبات أو شجرة تيبس وتموت، وحذفت المشبه به لتدل على القحط العاطفي بعد الفقد.
وكقولها “ما عاد ينمو به شجر للحمام”: جعلت من القلب بستاناً كان يضم الطمأنينة (الحمام) ولكنه دُمّر.
وكقولها “جنون الغياب”: حيث شخّصت الغياب بـ “المجنون” الذي يمارس ساديته على قلب الأم.
ومن ذلك الكناية الإيحائية: كقولها
• قُبلةً باردة: كناية عن الموت واستشهاد الطفلة (برودة جسد الميت)، وهو تعبير يجمع بين منتهى الحب (القبلة) ومنتهى الفاجعة (البرودة).
وكقولها كان الركام ثقيلاً عليها: وهي كناية عن حجم الدمار وهول القصف الذي تعرض له المنزل.
واستخدمت الشاعرة المقابلات والتشبيهات الملحمية البليغة:
• في المقطع الرابع، حيث تنفجر البلاغة عبر تشبيهات متتالية لدموع الأم وحزنها، حيث شبهت عيونها وحزنها بـظواهر كونية وحيوانية هادرة: فجعلتها
• طبول زنوج: وهو تشبيه يوحي بالإيقاع الأفريقي الصاخب الحزين والبدائي الثائر.
وكقولها : “زئير سهول / بكاء أسود / عواء تلال / صهيل المجرّات”: حيث استخدمت الشاعرة صيغ المبالغة والمصادر الصاخبة (زئير، عواء، صهيل) مضافةً إلى عناصر الطبيعة والكون، لتدل على أن الحزن ليس فردياً، بل هو زلزال كوني تتأثر به المجرات والسهول والتلال.
وتتبين لنا مواطن الجمال النغمي (الموسيقي والإيقاعي)
تتحرك في القصيدة لخدمة الأثر النفسي؛ فهي تنطلق من الموسيقا الحزينة الهادئة ثم تتصاعد حتى تصل إلى ذروة التشنج العاطفي:
وهي موسيقا بنيت على بحر يتميز بالحركة المتلاحقة التي تشبه ضربات القلب المتسارعة، مما يناسب حالة الرعب، الركض، وأنفاس الاستغاثة تحت الركام.
وأضاف التكرار النغمي (اللازمة اللفظية) في النص موسيقا حزينة، ومفجعة
كتكرار عبارة (دعوني أراها / ولو مرة واحدة / ولو قبلة باردة) وهذا التكرار يمنح النص إيقاعاً دائرياً يعكس الحصار والنهاية المسدودة التي تعيشها الأم.
ويظهر التوازي الصوتي البديع من خلال الموسيقا الداخلية في السجع والاتزان بين العبارات: (حزنٌ قديمٌ / وسُمٌّ عتيقٌ / وذَبْحٌ سقيمٌ)، حيث خلقت هذه التنوينات المتتالية والمدود رنيناً جنائزياً مأساوياً.
مترافقا مع الاندفاع الموسيقي الهادر، وذلك من خلال (التسريع الصوتي) في تتابع العبارات القصيرة:
(طبولُ زنوجٍ / ضمورُ جبالٍ / زئيرُ سهولٍ / بكاءُ أسودٍ / عواءُ تلالٍ)
هذا التتابع السريع المبني على الوزن الصرفي نفسه الذي يخلق إيقاعاً تصاعدياً هادراً يشبه قعقعة الحرب وطبول العاصفة التي تجتاح صدر الأم.
وبذلك تكون القصيدة غنية بالرموز الدلالية والنفسية.
وقد نجحت الشاعرة نحاحا فائقا في تصوير مأساتها ومأساة كل الأمهات القلسكينيات اللواتي يلاقين الويل من جنود الاحتلال الصهيوني.




